المثقف والالتزام السياسي
د . عبد الاله بلقزيز
والفكرة إنما تقرر وظيفة اجتماعية للمثقف تفترض أنها حيّز من حيّزات الثقافة وشكل من أشكال حراكها المفترض. وبمقتضى ذلك الافتراض، لا تكون وظيفة المثقف فكرية أو معرفية فحسب، وإنما اجتماعية:الانشغال بالقضايا العامة، والمشاركة فيها بالرأي والموقف، والانحياز للطبقات الاجتماعية الكادحة أو المهمَّشة، والنضال ضد الرأسمال والسلطة والمؤسسة واللامساواة والقمع.. إلخ. لا تكتمل صورة المثقف، بل ولا هو يكون أهلاً لَحمْل الصفة هذه، ما لم يستكمل وظيفته المعرفية بهذه الوظيفة الاجتماعية التي تُخرجه من فرديته إلى كينونة اجتماعية أعلى يُدرك فيها صلات المعرفة بالاجتماع المدني والسياسي. بهذه الوظيفة المضافة يولدُ معنى المثقف ولادة جديدة تخرُج به من لحظة "أنا أفكر" إلى لحظة "أنا أمارس".
خرجنا مع سارتر، وخاصة بعد انتفاضة مايو 1968 في فرنسا -من مفهوم الطبقة والثورة الاشتراكية إلى مفهوم الإنسان والتحرر الاجتماعي. وكل الذين انطلقوا من هذا المفهوم العام الجديد للالتزام، وطوّروه فيما بعد، انصرفوا إلى النضال من أجل دعم حركات التحرر الوطني في وجه الاستعمار الجديد، وضدّ العنصرية والميز العنصري، في جنوب إفريقيا، وضد اللا مساواة بين الجنسين، ومن أجل التحرر الجنسي، وضد القمع السياسي للحريات، ومن أجل حقوق الأقليات.. إلخ. وكانت فظاعات العهد الستاليني في الاتحاد السوفييتي، وردائفها في أوروبا الشرقية، قد أسقطت الطوبى الاشتراكية عند كثير من مثقفي اليسار الأوروبي، ودفعتهم إلى الأخذ بهذا المعنى الأوسع للالتزام، وهو المعنى الذي استوعب فكرة النضال ضد التوتاليتاريا "الاشتراكية" واستدمجها فيه وفي جدول أعماله الحركي. وحين نشأت الموجة الثالثة من الحركات الاجتماعية القائمة على فكرة الالتزام، بدءاً من سنوات السبعينات، نشأت معادية لفكرة الحزبية ومركزيتها وجَنَحَت للعمل المدني، وهي موجة بناء ما بات يعرف باسم "مؤسسات المجتمع المدني". وسواء تعلّق فيها بالفترة الأولى منها، حيث سيطرت الفكرة اليسارية عليها، أو بالفترة الثانية التي سيطرت الفكرة الليبرالية عليها - وجرى احتواؤها من النخب الحاكمة في الغرب وتوظيفها في السياسات الدولية- فإن هذه الموجة أفقرت كثيراً معنى الالتزام الذي ساد لدى سابقتها وسابقة سابقتها.
هذه، بإيجاز شديد، السياقات السياسية والثقافية، الحديثة والمعاصرة، لميلاد فكرة المثقف الملتزم وتطورها في الوعي الأوروبي. وهي، على اختلاف بين محطاتها التاريخية وطبعاتها الثقافية المتنوعة، يجمع بينها جامع في النظر إلى المثقفين ورسالتهم: إنهم رُسُل اجتماعيون ينتدبهم التاريخ وموقعيّتهم في المجتمع لحمل رسالة التغيير والمشاركة مع الناس في تحقيقه. إن دورهم ليس تفسير العالم وإنما تغييره. وبمقدار ما كانت فكرة الالتزام عظيمة الفائدة بالنسبة إلى فعاليتها وإلى صورة المثقفين، كانت باهظة الثمن على أدوارهم الفكرية والمعرفية والثقافية، فلقد هَبَطَت بالمثقف من معناه كمالك لرأسمال رمزي - هو المعرفة- إلى مجردِ ناشطٍ حركي.. إلى داعية.








