الفراشات ترفرف للعائدين
( مسرحية )
تأليف :راسم المرواني
كلمة المــــؤلف
لا أستطيع أن أغمض عيني عن كثير من الأشياء
ولا أستطيع أن أتجاوزها
لأنها لا تغمض عينها عني .. ولم تتجاوزني
طفل صغير من عين غزال ..
يلوّح لي كل ليلة في المنام
قال لي أمس : كنت جسداً .. وأصبحت روحا
الذين تمتلئ عيونهم كبرياءً – وحدهم – يستطيعون رؤيتي ..
أما الذين يشهرون بوجهي خنجر الاتهام .. فلن يروني ..
قل لهم نيابة عني ..
إنكم مخطئون ..
إن أحداً منا لم يبع شبراً من الأرض
إنني ما زلت هناك .. روحاً كالفراشة ..
أرفرف فوق رؤوس الصابرين ..
وألوّح بكف الألق … للعائدين …
راسم المرواني
بداية الألفية الثالثة
شخصيات المسرحية
خارج فلسـطين
1. الجــد رجل في الثمانين ، هاجر من فلسطين بعد النكسة
2. الحفـيد شاب في الخامسة والعشرين .. متشكك
داخل فلسـطين
3. المخـتار رجل في الخمسين .. مختار قرية عين غزالة .. مناضل
4. أم صالح امرأة في الأربعين .. مناضلة .. من سكان عين غزال
5. اليهودي جار المختار في القرية
6. صالح الشيخ علي
7. أيمن
8. محمد أبو سبلة
9. محمود القاسم
10. علي الصفدي مجموعة من الشباب المناضلين
11. محمد راجح جدعان في قرية عين غزالة
12. سعيد العثمان
13. العبد الزايط
14. العبد العوض
15. صوت
الشخصيات والأحداث مأخوذة – بتصرف المؤلف-عن كتاب (عين غزال.. كفاح قرية فلسطينية) لمؤلفه محمد راجح سعيد جدعان.
المتن الحكائي للمسرحية :
قصة نضال قرية عين غزال الفلسطينية .. وسقوطها أخيراً بيد الاختلال الصهيوني ..
المكان في المسرحية :
مناظر الحوار بين الجد والحفيد متجردة عن خصوصيات المكان ..
أما بقية المناظر فتدور أحداثها داخل قرية عين غزال
الزمان في المسرحية :
حوارات الجد والحفيد تدور في مطلع الألفية الثالثة وبقية الأحداث تمر متأرجحة ضمن السنوات الخمس ما بين مرحلة ما قبل وما بعد نكسة حزيران ..
المنظر الأول
دائرة ضوء في الجهة اليمنى من المسرح يظهر فيها الجد والحفيد يتحاوران ..
الجد : أبداً يا ولدي … المسألة ليست كما تتصور ..
الحفيد : وكيف لي أن أتصور غير ذلك ؟
الجد : أبحث عن الحقيقة ، ستتعب .. ستعاني الكثير .. وستختلط عليك الأوراق … ولكنك في النهاية ستجدها … ربما يلفها بعض الغموض .. ولكنها تبقى حقيقة … وعندها ستراك مضطراً لحرق الكثير من الأوراق . فقط حاول اكثر …
الحفيد : (يقاطعه) حاولت كثيراً يا جدي … صدقني … لقد بحثت عن الحقيقة حتى في دعابات الأصدقاء .. سبرت أغوار الحكايا … تصفحت الأوراق … غربلت الكلمات … شربت السطور ..
الجد : وأين وصلت .. ؟
الحفيد : لا شيء … وصلت للاشيء … الضباب يكتنف القصص .. مئات الحلقات المفقودة تتموضع في سلسلة الأحداث .. والنهاية لاشيء ..
الجد : النهاية تكشف كل شيء .. المفروض أنها تكشف كل شيء
الحفيد : ولكني لم أكتشف أي شيء ..
الجد : فإذاً .. أنت لم تصل بعد إلى النهاية ..
الحفيد : ومتى سأصل ..؟
الجد : بعد أن تنتهي من قراءة الفصول .. وتمر بعينيك محدقاً بالسطور .. وتستقرئ خفايا الأمس وتهافتات الحاضر .. وأحداث المستقبل .
الحفيد : صدقني .. لقد رحلت كثيراً .. وحدقت كثيراًً .. وقرأت كل السطور ..
الجد : وهل قرأت ما بين السطور ..؟
الحفيد : إذا كانت السطور مبهمة .. فما بالك بما بينها ؟
الجد : العناد.. دابة الوصول للحقيقة وسفينة الإبحار في خضم المتاهات ..
الحفيد : رحلت .. ولكن سفينتي لم تستطع مغادرة السواحل.. كانت مشدودة بحبال الشكوك إلى الموانئ .. التساؤلات .. الكلمات .. لم أستطع تجاوز الأسئلة الملقاة على قارعة الطريق ..
الجد : الإبحار يحتاج لملاحٍ متمرس ..
الحفيد : ولكن ساريتي انكسرت .. وشراعي أتلفته الريح.. ودوار البحر أثقلني بالغثيان .. كدت أتقيأ أحشائي عندما داهمني الدوار ..
الجد : دوار البحر لا يغرق المراكب ..
الحفيد : ولكنه يقهقر الملاح ويغير وجهة السير .. ويعرقل الوصول ..
الجد : هذا إذا كان الملاح وحده على ظهر المركب .. وليس هناك من يعينه على إدارة الدفة للمسار الصحيح ..
الحفيد : لم أكن وحدي .. كانت معي الذكريات .. والحكايا.. والتساؤلات ..
الجد : أفهم جيداً ما تقول .. وما تريد أن تقول .. قدري بأنك حفيدي .. وقدرك أنني جدك ..
الحفيد : ولكن هناك انتماءً ما .. مازلت أشعر أنه ينقصني.. لم يكتمل بعد ..
الجد : ولن يكتمل أبداً ..
الحفيد : لماذا..؟
الجد : لأنه لم يكتمل عندي .. ولم يكتمل عند أبيك .. حتى عاد إلى هناك .. إلى قرية عين غزال .. كان يحاول أن يجد نفسه ..
الحفيد : وهل وجدها ..؟ قل لي إنه وجدها ..
الجد : لا أعرف .. الأخبار انقطعت .. ولم يترك وراءه غير شاهدة قبر على تلٍ بعيد .. كتب عليها اسمه.. تاريخ ولادته .. وتاريخ استشهاده ..
الحفيد : وما بين التاريخين ..؟
الجد : كانت الشاهدة صغيرة .. ولا تتسع لذكر المزيد ..
الحفيد : ومن سيكتب ما بين التاريخين ..؟
الجد : الذي يستطيع قراءة ما بين السطور ..
الحفيد : ومن يستطيع قراءة الفراغ ..؟
الجد : الذي عود نفسه أن يغمض عينيه عن السطور .. ثم يقرأ ..
الحفيد : الفراغات بين السطور واسعة ..
الجد : وما بين الصلوات وقت طويل ..
الحفيد : أعتقد أن أبي لم يجد نفسه هناك ..
الجد : احتمال وارد .. ومقابله هناك الكثير من الاحتمالات .. وكلها تحتاج دليلاً ..
الحفيد : لا دليل على أنه وجد نفسه ..
الجد : ولا دليل على أنه لم يجدها ..
الحفيد : وإذاً يا جدي ..
الجد : إذا تعارض الدليلان ، تساقطا ..
الحفيد : (متذمراً) وإذاً يا جدي ..
الجد : أبحث عن بصيص ضوء للإجابة .. الكثير من الأسئلة تجيب عنها أسئلة ..
الحفيد : كيف ..؟
الجد : سلْ نفسك .. لماذا آثر أبوك البقاء هناك ..؟
الحفيد : ربما لأنه لم يستطع الهجرة ثانيةً ..
الجد : (يقاطعه) أو .. لأنه وجد نفسه ..
الحفيد : كلها احتمالات .. ظنون .. محض تهيؤات ..
الجد : تبريرات .. محض تداعيات ..
الحفيد : أنت تحدثني ..أمي تحدثني .. الجميع يحدثونني .. ولكن أحداً لم يقل لي أين الحقيقة .. وحدي أتصفح الكلمات .. الألوان تتداخل ببعض .. الصورة لا تريد أن تتضح
الجد : لابد من خيط رفيع يوصلك إليها ..
الحفيد : دلني على هذا الخيط .. ؟ ..أين أجده ..؟
الجد : ربما في كلمة شاردة .. في صورة عابرة لا تلفت إليها نظر المرتبكين .. الذين يحدقون أكثر .. هم أكثر استعداداً لرؤية الأشياء
الحفيد : قلت لي مرة : ليس كل ما تراه حقيقة ، وليس كلما تسمعه واقع ..
الجد : ليس هكذا .. بل قلت لك إن الكثير مما تسمعه لا يمت للواقع بصلة .. وإن الكثير مما تراه هو خلاف الحقيقة ..
الحفيد : أدخلتني ثانية في دائرة الحيرة ..
الجد : بل أريد أن أخرجك منها ..
الحفيد : ولكن بوضوح يا جدي .. أرجوك .. إنني الآن أحوج ما أكون إلى التجلية
الجد : إذا أردت أن تعرف الحقيقة فاذهب لتراها .. ولا تسأل أحداً أن يريكها .. فكل شخصٍ سيريك الحقيقة التي يظن أنها حقيقة ..
الحفيد : وكيف لي أن أراها ولم أكن هناك ؟
الجد : خذ عيني .. فأنا كنت هناك .. وذاكرتي .. ستسعفك الصور والذكريات التي التصقت بشراك مخيلتي ..
الحفيد : ذاكرتك لن تسعفني ، وقصصك مرسلة ..
الجد : والرائد لا يكذب أهله
الحفيد : ولكن شريط ذاكرتك يعاني سوء الخزن بسبب الفقر والعوز الذي طاردك منذ الهجرة لحد الآن .. لقد حذف منه الكثير .. وتساقطت منه صور مهمة وأخشى أن ذاكرتك قد استنزفت نفسها ولم يبق منها سوى انفعالات ما بعد الهزيمة ..
الجد : أبداً فأنا أتذكر كل شيء كأنني أراه ..
الحفيد : كأنك تراه ..؟
الجد : نعم ..
الحفيد : جدي أرجوك .. الفرق شاسع بين الذاكرة والخيال. لا أريدك أن تتخيل .. تذكر فقط .. تذكر أي شيء عن أي شيء .. عن النصر .. عن الهزيمة عن عين غزال .. عن ( اجزم ).. عن ( جبع )..
الجد : وماذا غير ذلك .. ها ..؟
الحفيد : حدثني عن بساتين الليمون ، حدثني عن أشجار الزيتون .. عن الحقول .. صف لي مروج قريتنا.. أخرج لي مزمارك القديم واعزف لي..دعني أميل بجسدي مع (الميجنة) وكأنني في ساحة (المطامير).. شممني معك عبق الزيت المنبعث من الخابية .. (موسيقى ناي )
الجد : (عين غزال).. قريتي العذراء الناعمة
الحفيد : التي عرضت للبيع ..؟
الجد : بل التي زفت للموت ..( يصمت قليلاً ) كانت أقرب للموت منها للحياة .. ولدت ناعمة ..هادئة .. وكبرت بين أحضان الطيبة والكبرياء .. السنين أسرعت خطواتها .. وكبرت القرية .. وأصبحت فرساً جامحة .. عرفها يتناثر بين أصابع الريح .. كانت تسبح فوق خضرة الأرض كأنها النسيم..أحبت أهلها .. وأحبوها .. حتى أنها كانت لا تستسيغ الهجوع دون أن تشم رائحة قهوة المضايف التي تغلي في الدلال .. ولا تنام إلا على قصص العجائز وضحكات الأطفال .. ودواوين الأشعار
الحفيد : كانت نائمة ..؟
الجد : كانت تنام بهدوء .. ولكن صوت القنابل أفزعها .. فاستيقظت ..
الحفيد : وبعدها ..نامت نومتها الأبدية ..
الجد : نعم .. ولكن بعد اللتيا واللتي .. بعد النزال .. بعد القتال .. بعد أن أفلت شمس الرجاء .. وبعد أن يئست .. ولم يبق أمامها سوى أن تمد يدها للبعيد.. باحثة عن خلاص .. ولا خلاص ..
الحفيد : كـيف استطـاعت النـوم تحـت صوت المدافع..؟
الجد : لقد صارعت النوم كثيراً .. ولكن سهر الليالي الطويل أثقل أجفانها .. والتعب تمكن من حدقاتها.. والتوجس دفعها أخيراً للتثاؤب .. لقد أحسست أنها تذوي عندما رأيتها تتثاءب …
الحفيد : وشربت أخيراً كأس الاحتلال ..
الجد : غصة بعد غصة..
الحفيد : رشفت منه الكأس الأولى .. بينما كنتم تشربون نخب عرسها الآثم .. تركتموها وسط الخضم .. رحلتم عنها طلباً للبقاء .. فصمتت أغنيات الحقول.. وذابت شفاهها من قبلات التوسل .. وأخيراً طأطأت رأسها المثقل بالهموم .. لتقول..نعم قبلت التزويج .. ودون صداق
الجد : (بغضب ) لا .. أسكتْ .. لا تكفر أيها الأحمق .. أنت لا تعرف شيئاً .. فأنت لم تكن هناك .. لا أحد غيرنا كان هناك .. (تنطفئ الإضاءة )
المنظر الثاني
دائرة ضوء في بيت المختار .. المختار مع رجلٍ يهودي .. حوار
اليهودي : على حد علمي ، فأنا لا أعرف أحداً من اليهود يكن عداءً للفلسطينيين ، ولا أشعر أن هناك يهودياً يريد إيذاء إخوانه من الفلسطينيين ، لأننا أصلاً فلسطينيون .. يهود نعم .. ولكننا فلسطينيون مثلكم
المختار : ولكنكم تؤذوننا فعلاً .. أموالكم .. طموحاتكم .. أحلامكم .. وحتى ما جاء في توراتكم ، كلها جلبت لنا الكوارث وأنزلت علينا ..
اليهودي : ( يقاطعه ) لكل شعب طموحه يا مختار .. نحن نشتري .. الأرض تعني لنا كل شيء ..
المختار : وماذا تصنعون بالأرض ..؟
اليهودي : مستعمرات .. مصانع .. كيبوتزات .. غيتوات بسيطة .. اليهود في الشرق يضطهدون .. وفي الغرب يقتلون .. ودونك (هتلر) وأفران الـ ..
المختار : (يقاطعه) والله ما أظن هتلر إلا يداً من أياديكم ورأساً من رؤوس لعبتكم . وأقسم بالله .. أنا عبد القادر أبو زليخا .. إني لست من صلب أبي إن لم تكن لكم يد في ما صنعه هتلر ،وأقسم أنكم دفعتم له لقاء قتل اليهود هذا إذا كان فعلاً قد قتلهم كما يشاع
اليهودي : أعوذ بالله يا مختار .. وهل يمكن أن يدفع الإنسان المال لقاء قتل اخوته ؟
المختار : أنتم معشر اليهود تستسيغون فعل أي شيء لتمر مصالحكم .. فالغاية عندكم تبرر الوسيلة ..
اليهودي : لسنا وحدنا من يؤمن بهذا .. فالكل يسعى بطريقة أو بأخرى ليحقق مصالحه .. ومصلحتنا تقتضي أن نقيم وطناً نعيش فيه سواءً .. المسلمون مع اليهود.. هنا في فلسطين ..
المختار : ( يقاطعه ) أرض الميعاد كما تدعون ,,
اليهودي : نعم يا أبا زليخة .. أرض الميعاد .. أرض فيها لبن وعسل
المختار : نحن لم نمنع عنكم لبن الأرض ولا عسلها .. لقد عشتم بين ظهرانينا سنين طويلة .. بأيدينا بنينا لكم أحياءكم التي تسمونها (الغيتوات) كنا نعيش سوية نرفل بالأمان .. ولكنكم كفرتم النعمة ..
اليهودي : نحن لم نفعل شيئاً غير شراء الأرض ..
المختار : وسفك الدماء .. وانتهاك الحرمات .. والاعتداء على القرى الآمنة
اليهودي : أنت تعرف تماماً يا مختار إن من يفعل ذلك هم يهود أوربا وإنهم ليسوا منا .. بل إنهم عبء علينا
المختار : ولكنكم تستقبلونهم .. تؤوونهم .. تهيئون لهم المستعمرات وتجعلون منهم كلاباً تنبح على المارة في الطرقات .. هذه الكلاب تكشر بأنيابها علينا ..
اليهودي : الإنكليز أتوا بهم ..
المختار : وأنتم تضمونهم بالأحضان …
اليهودي : لقد قاتلنا الإنكليز معكم .. حملنا سلاحاً معكم .. جنباً إلى جنب
المختار : ( يضحك ) يا رجل … اتقِ الله .. شتان ما بين قتالنا وقتالكم ..
اليهودي : المعاناة دفعتنا للقتال .. والقتال يعني القتال ..
المختار : بل الغاية دفعتكم لهذه الوسيلة ..غايتكم لم تكن شريفة .. ولذا فإن وسيلتكم لم تكن شريفة أيضاً ، هكذا يقول المنطق ..
اليهودي : كنا نقاتل دفاعاً عن أرضنا
المختار : من نسف فندق الملك داود الذي كان يقطنه القادة الإنكليز ..؟
اليهودي : ( بارتباك ) لسنا من فعل ذلك …
المختار : بل أنتم .. سبعة براميل من الحليب .. ولكنها مملوءة بالديناميت .. ويهود بملابس عربية .. ونسفتم الفندق .. وصلى أعضاء عصابة (شتيرن) شكراً .. وألصقت التهمة بالفلسطينيين … ودفعوا ثمنها .. وبكيتم أنتم على جثث الإنكليز .. وكسبتم الرهان ..
اليهودي : عصابة شتيرن ليست منا ..
المختار : ولكنها يهودية .. عصابة يهودية .. تعمل من أجل وطنٍ لليهود .. أبناؤنا يعدمون .. وأطفالنا يتشردون .. وأنتم تقبضون الثمن ، أي قذارة هذه..؟ ( تنطفئ الإضاءة)
المنظر الثالث
دائرة ضوء … الجد والحفيد يتحاوران
الحفيد : قذارة .. ولكنها أوصلت لبناء دولة واستطاعت أن
الجد : ( يقاطعه ) لو تفحصت الأمور .. واستقرأت الأحداث.. وقرأت الطالع .. لعرفت متيقناً إنها لم تبن بعد
الحفيد : نصف قرن وهي ماثلة للعيان .. وأنت تزعم إنها لم تبن بعد ..
الجد : نعم ..
الحفيد : ولكن الواقع يخطئ مقولتك ..
الجد : بل الواقع يثبتها ..
الحفيد : كيف ..؟
الجد : الكعبة .. ماذا تعرف عن الكعبة ..؟ أو بعبارةٍ أخرى .. ما هي الكعبة ..؟
الحفيد : الكعبة ..؟ إنها بيت الله ..
الجد : انتبه .. الكعبة بيت الله .. وبداخلها وحولها أصنام ظلت تعبد من دون الله سنين طويلة .. ولكن .. جاء الحق وزهق الباطل ..
الحفيد : ومتى يجيء الحق يا ترى .. متى يظلل الحق هذي الأرض يا ترى ..؟
الجد : لبث قليلاً يا ولدي .. إن موعدهم الصبح .. ..؟
الحفيد : يا جدي .. نصف قرن وأهلنا هناك يشربون كأس الموت .. ونحن هنا نرتشف كأس الغربة والضياع وعندما نسأل بعضنا ، نقول إن الصبح قريب .. هكذا علمتمونا .. ولذا فأنتم تحملون الوزر كله ..
الجد : لماذا يا بني .. ؟
الحفيد : لأنكم كنتم تعرفون كل شيء. ولم تفعلوا أي شيء.
الجد : ( يطرق قليلاً .. ثم يسترسل ) الفعل يا بني يعني القدرة .. لا يقوم الفعل دون قدرة .. والقدرة لم تكن موجودة.. ( يصمت ) قليل من الضمير .. قليل من الحقيقة .. قليل من الإنصاف ، هو كل ما نحتاج من الجيل الجديد.. وأيضاً قليل من الرجوع للوراء.. نعم يا ولدي كنا نقاتل .. كنا كالأطواد .. فعلنا كل شيء .. ولكن ضمن حدود المنطق .. ضمن حدود القدرة .. وأحياناً حتى خارج حدود القدرة .. وأبعد من الاستطاعة بكثير ..
الحفيد : مثالاً .. أريد مثالاً
الجد : أنا .. جدك ..كنت مقسماً ثلاثة أثلاث .. أرأيت رجلاً منقسماً لثلاثة أثلاث ؟بل وفي بعض الأحيان أربعة أرباع وخمسة أخماس ..
الحفيد : كيف ذلك ..؟
الجد : نعم …كان جزء مني يقاتل ويحرس قريتي .. عين غزال .. وجزء آخر يقاتل في قرية (إجزم).. وبعض يناوش اليهود في قرية (جبعْ).. وفي(الطنطورة) وغيرها من القرى .. هذا بالإضافة للعمل والتقوت ورعاية البيت
الحفيد : ومع ذلك كانت النتيجة أن هربتم وتركتم عين غزال ..
الجد : (بغضب) اخسأ ويحك .. لا تسـيء أدبك أمامي .. لا تخلط الصراحة بالوقاحة ..
الحفيد : عذراً يا جدي .. ( يصمت ) ولكنهم يقولون إنكم …
الجد : ( يقاطعه ) من الذين يقولون ..؟ وماذا يقولون ..؟ ليس هناك من يمتلك صلاحية أن يقول سوانا .. فنحن من كان هناك .. في الخضم .. في هول المعترك .. بين المطارق ..
الحفيد : وحتى لو لم يقولوا .. فإنني أسمع ما يريدون قوله من شفاه الهمس .. أراه في النظرات .. في اليأس الذي بدأ يدب كالخدر في فرائص الأمنيات .. في الملل الذي أخذ يمتص ألق الأناشيد .. أمي لا تتذكر .. أصدقائي ينقلون ما سمعوه كالببغاوات .. لم يبق أحد من أهل القرية إلا القليل .. والرجال يقولون كنا صغاراً وقتذاك .. والمتحدثون في ليالي السمر كلهم ولدوا هنا ولا يعرفون شيئاً عن الهناك.. ولكنهم يعرفون أن ثمة طبخة نضجت .. في قدور إغماضات العيون .. وصفقة بيعٍ أنجزت تحت ستر الليل .. (تنطفئ الإضاءة)
المنظر الرابع
دائرة ضوء ، مضيف المختار .. المختار .. أيمن .. محمد أبو سبلة ، محمود القاسم ، سعيد العثمان
أبو سبلة : صفقة تنضح ذلاً وعاراً
المختار : على مهلك يا أبا سبلة .. إهدأ قليلاً
أبو سبلة : كـيف أهدأ يا مختار .. ؟ سلْ إذا شئت محمود القاسم وسعيد العثمان .. إنهما يعـرفان كل شيء..
محمود : نعم يا مختار .. أنا ومحمد أبو سبلة وسعيد العثمان سمعنا كل شيء ..
المختار : ( يلتفت إلى أيمن ) ها .. ماذا تقول يا أيمن ..؟
أيمن : صدقني يا مختار .. والله أنا ما قلت للرجل اليهودي أنني سأبيع ..
أبو سبلة : ( بغضب ) تحدث أنت يا سعيد العثمان .. أخبر المختار بما سمعت ..
سعيد : صحيح يا مختار .. إنه لم يقل للتاجر اليهودي بأنه سيبيع .. ولكنه قال إنه سيفكر في الأمر ويبعث إليه بالنتيجة خلال يومين ..
محمود : هذه الكلمة وحدها تعني أنه ينوي البيع ..
المختار : ( يضع يده على كتف أيمن ) كيف ارتضيت لنفسك أن تفكر .. مجرد التفكير .. بمسألة كهذه .. رحم الله أباك .. لو كان حياً لكان أول من يرفع كفه بوجهك.. أتبيع أرضك وأرض أجدادك يا أيمن ..؟
أبو سبلة : ولمن يا مختار ..؟ ليهودي ..
أيمن : أقسم يا مختار أنني لم أكن أنوي بيع أرضي .. وحتى لو بعتها فليس لليهود ..
محمود : المصيبة أنك لم تدمِ فمه عندما عرض عليك ذلك
المختار : ماذا حصل لك يا ولدي ..؟ أخبرني ..
أيمن : ولكني يا مختار ..
أبو سبلة : ( يقاطعه ) ولكنك ماذا ..؟ فكر جيداً يا رجل ..
سعيد : أنظر إلى أولادك .. إلى أحفادك .. ستطاردك وتطاردهم اللعنة والعار إلى أبد الآبدين ..
محمود : لن يطارده العار وحده ..ولا أحفاده .. بل سيطاردنا جميعاً .. سيطارد العار كل أهل قرية عين غزال ..
أبو سبلة : ستكون هذه سابقة .. وسنصبح بسببها سبة على لسان القرى ..
المختار : صدقت يا أبا سبلة .. سابقة لم يقدم عليها أي فلسطيني في أي قريةٍ أبداً
أيمن : ولكني يا مختار ..
المختار : ( يقاطعه ) أعرف يا ولدي .. أعرف كل شيء .. ولكنك لست وحدك .. الجميع مثلك هذا أخوك محمد أبو سبلة ، باع كل غلته لم تستطع إيفاء ديونه .. ومحمود القاسم أرسل إلى خاله في جبعْ ليستلف منه ما يتقوت به .. كلنا يا ولدي نرزح تحت طائلة العوز .. كلنا مثقلون مثلك بالديون
أيمن : يا مختار .. الدين هم في الليل وذل في النهار ..
سعيد : كلنا مثلك .. أخذ الأتراك منا ما أخذوا …
محمود : والإنكليز بعدهم ..
سعيد : ومع ذلك .. هؤلاء أهل عين غزال يمدون لك يد المساعدة .. ويضغطون على قدراتهم لمساعدتك ..
المختار : إنهم يا ولدي يؤثرونك على أنفسهم رغم خصاصتهم .. شريطة أن لاتبع أرضك ليهودي فتمرغ أنوفنا بالتراب ..والوحل ..
أيمن : حاشاك يا حاج ..
المختار : (لأيمن ) أن أهل عين غزال .. وكل أبناء القرى .. سـوف لـن يغفـروا لك فعلـتك أن فعلتها .. (يربت على كتفه) لا تفعلـها يا ولـدي .. ناشدتك الله لا تفعلها..
أيمن : معاذ الله أن أجلب على نفسي وعليكم ما يشين .. كيف أجرؤ على إهانة أهلي وأحبتي ..؟
محمود : الأرض عرض يا أيمن .. هكذا علمنا آباؤنا وأجدادنا رحمهم الله ..
أبو سبلة : ( يدور في المسرح بغضب ) أما آن لهؤلاء اليهود أن يرعووا ؟ إنهم يشترون كل أرض تقع عليها أيديهم
محمود : لم يعد هناك ما يدور في الخفاء .. إنهم يريدون فلسطين
سعيد : كل فلسطين ..
المختار : إنهم مسعورون بشراء الأراضي( روتشيلد ) وحده تبرع بأربعين مليون فرنك لشراء أراضٍ لليهود ..
محمود : والألماني (هيرش).والهنغاري(هيرسل).. ومؤسسة (الكيرن كايمت)التي تشتري آلاف الدوانم لليهود
سعيد : والإنكليز يبيعون معسكراتهم لليهود أيضاً ..
أيمن : وهذا مصرف الأنجلو يقدم القروض والتسهيلات لليهود حصراً لشراء الأراضي وبناء المستعمرات
المختار : إنهم يصادرون منا السلاح .. وربما حكموا علينا بالموت أو السجن لقطعة سلاح يجدونها مخبأة هنا أو هناك بينما يبيعون الأسلحة الحديثة لعصابات الهاغانا وعصابات ( البالماخ )..
أيمن : وعصابة (الآرغون)..
سعيد : وعصابة (شتيرن)..
أبو سبلة : قبل أيام يا مختار باع الإنكليز عشرين طائرة (اوستر ) لليهود
سعيد : وسرحوا ثلاثة الآف ومئتي فلسطيني من قوات الحدود وجردوهم من السلاح
أبو سبلة : سنين طويلة وهم يجمعون أنفسهم .. ويستجمعون قواهم .. ومطار النقب يهرب لهم احدث أنواع السلاح …
محمود : وميناء حيفا يكتظ كل ليلة بآلاف اليهود القادمين الى فلسطين ..
المختار : (لأيمن ) بينما نحن نتجرع كؤوس هذه المحن .. وأنت تبيع لهم أرضك
أيمن : الإنكليز باعوا .. الأتراك قبلهم باعوا .. الإقطاعيون باعوا .. وسفراء وقنصليات الدول الغربية باعوا ممتلكاتهم لليهود ..
المختار : ولكنك فلسطيني … إذا لم تكن تستطع الشراء فلا تبع .. ابدا
ابو سبلة : صدقني يا أيمن .. إذا بعت أرضك فسينتهي بك المطاف منبوذاً من الجميع .. ولن تجد لك ملجأ غير ممارسة حياة العبيد والعمل في مزارع اليهود الجماعية
أيمن : ( بعصبية ) اتقوا الله في يا شباب .. والله لن أبيع أرضي أبداً .. فأنا مثلكم …… برعمٌ تفتح على هذه الأرض .. لا لن استبدل الغصن الذي أختاره الله لي .. فلسطين … يافا … حيفا … كل شبرٍ.. كيف أحتمل ذلة البيع ؟ أستغفر الله .. لقد كان نفثة نفثها الشيطان على لساني .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ..
الجميع : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
أيمن : ( يرفع يديه بالدعاء ) رب اشرح لي صدري ، ويسر لي أمري
المنظر الخامس
دائرة ضوء يمين المسرح .. الجد والحفيد..مازالت اصوات الزغاريد مستمرة …
الجد : لقد كانت ليلة رائعة ..
الحفيد : ( مبتسماً ) هل كنت فرحاً بزفافك يا جدي..؟
الجد : إنها ليلة تدعو للبهجة و الارتياح ، أقل ما يمكنني قوله… انني تمنيتها طويلاً ..
الحفيد : لا تؤاخذني يا جدي ولكني سأسألك عن شيء شخصي..
الجد : تفضل ..
الحفيد : هل كانت جدتي جميلة ..؟
الجد : ( يطرق قليلاً ) كانت رحمها الله أجمل بنات عين غزال… حتى مفاهيم الجمال تغيرت الآن .. فالجمال كان يعني جمال الروح …و ما تحمله البنت من حنان وشجاعة وأصالة .. العفة كانت هي المقياس لأهلية البنت في الزواج ..
الحفيد : وهل كانت جدتي تحبك ؟
الجد : الرجل يحب امرأة .. امرأة تحب رجلاً … كانت تعني كارثة الكوارث .. والشاب والفتاة المشكوك بوجود علاقة بينهما يحكمان على انفسهما بالحرمان الأبدي .. ولذلك فان ليلة الزفاف كانت المتنفس الأخير لجني ثمار الحب .. النساء يوقدن حزم الحطب حتى الصباح .. والغناء والرقص يملأن اذن الليل .. والجواد .. لا بد للعريس من جواد يزف عليه .. الجواد يعني الفروسية.. يعني الرجولة .. يعني المروءة
الحفيد : ويعني للمرأة فرس الأحلام ومن يمتطيه فانه هو فارس الأحلام ..
الجد : النساء كن يحلمن بالرجولة .. والألتصاق بالأرض
الحفيد : وماذا كان يفعل العاشقون ؟
الجد : كانوا يخفون مشاعرهم .. ولكنهم يستغلون غفلة من الأهل ليتبادلوا بعيونهم رسائل الحب بنظرات لا يمكن حل شفرتها أبداً.. حتى من قبل خبراء حل شفرات البنتاغون ( تنطفئ الإضاءة )
المنظر السادس
دائرة ضوء يسار المسرح ، مغارة ، محمود القاسم ، علي الصفدي ، محمد راجح ، العبد الزايط .. مسلحون أمامهم جهاز لاسلكي ..
محمود : شفرتنا باتت مكشوفة من قبل الإسرائيليين .
الصفدي : من أخبرك بذلك ..؟
محمود : أخبرني أحدهم .. لابد من الاستغناء عن الجهاز
الزايط : لا تتعجل الأمور يا محمود ..
محمد راجح: لا تنس يا محمود إننا بالكاد استطعنا الحصول على هذا اللاسلكي من القوات العراقية المرابطة في عرعرة ، (والعقيد خليل جاسم) اشرف بنفسه على تدريبنا على استخدام هذا الجهاز ..
الزايط : اللواء (غازي الداغستاني) أراد لنا اتصالاً مباشراً بالقوات العراقية ..
محمود : وها نحن قد أمّنا الاتصال بهم .. وماذا بعد ..؟
الصفدي : ماذا تريد أن تقول ..؟
محمود : يا إخوة ما أريد قوله إن عصابات اليهود تعيث بقرانا فساداً وتغير علينا في أنصاف الليالي دون أن تتحرك القوات العربية أو تحرك ساكنا وهذا محمد راجح سلوه كم مرة اتصل بالقـوات العـراقية للنجدةولم يلق غير جواب واحد لاتوجد أوامر بالتقدم
راجح : ولكن اللواء غازي الداغستاني أشار للعقيد خليل جاسم بأن يزودنا بالسلاح وفعلا حصلنا على سلاح وعتاد لم نكن نستطيع الحصول عليه إلا بشق الأنفس ، كان كل سلاح القرية ثلاثة مسدسات
الزايط : ما علينا .. هل أنتم مستعدون لغارة الليلة ..؟
الجميع : إن شاء الله ..
الصفدي : ولكن يا شباب .. نريد لهذه الغارة أن تتمخض عن شيء كبير .. فغارتنا على مستعمرة أم الجمال لم نغنم منها سوى مسدس واحد..
راجح : وغارتنا على ( زمارين ) كانت أسوأ ..( صمت )
الزايط : لماذا تأخر العبد العوض..؟
محمود : لا تقلق .. طالما أخبرك إنه آتٍ فهو آت لا محالة
الصفدي : ما رأيكم لو أطلقنا على أنفسنا تسمية : الكف الأسود؟ ( يضحك الجميع )
الزايط : نرجو من الله أن نكون كفاً أسوداً وليلاً مظلماً على هؤلاء الأوغاد
محمود : (يدخل العبد العوض وخلفه أم صالح تحمل صرة فيها طعام) هاهو صاحبك
الاثنان : السلام عليكم .
الجميع : وعليكم السلام .. مرحباً بالعبد العوض ..
العوض : كيف حالكم يا شباب ..؟
محمود : بخير ..
الصفدي : وأنت كيف حالك يا أم صالح ..؟
أم صالح : ككل نساء القرية .. أدعو الله أن يثبت أقدامكم .. ويحفظ سترنا بكم .
الزايط : بورك فيك يا أم صالح ..
راجح : (للعبد العوض) ها يا رجل ما هي الأخبار ..؟
العوض : لا تسركم ..
الجميع : (يلتفون حوله ) كيف ..؟
العوض : لقد توحدت عصابات الهاغاناه والأرغون والبالماخ وشتيرن جميعاً ..
راجح : ومن يتولى قيادتها ..؟
العوض : المجرم ( مناحيم بيغن ).. ( صمت ) إنهم يغيرون على القرى ويشردون أهلها ويقتلون النساء والأطفال دون وازع ..
الزايط : لقد كنا نتوقع ذلك يا شباب .. فما الجديد بالموضوع..؟
محمود : حسناً ، وأهل عين غزال كيف هم ..؟
العوض : لقد اتفق أهل القرية على تأسيس لجنة إدارية وفعلاً تصدى المثقفون لتأسيسها واجتمعت هذا اليوم
الصفدي : وبماذا أوصت ..؟
العوض : بالتسلح .. نحن بحاجة للسلاح ..الموقف يتأزم …
الزايط : وهل عاد عبد الحفيظ جدعان ..؟
العوض : سالماً والحمد لله ..
الزايط : والسلاح ..؟
العوض : مدفع رشاش واحد فقط .
محمود : فقط..؟
العوض : فقط..
راجح : ومن أين حصل عليه ..؟
العوض : من مجدل غزة .. بعد معاناة ورحلة طويلة ..
الزايط : وكم أصبح في القرية من سلاح ..؟ ( يلتفت لمحمود القاسم )
محمود : ما زودتنا به القوات العراقية مع ما لدينا .. على مدفع عبد الحفيظ الجدعان ..أصبح المجموع أربعمائة بندقية .. وثلاثة مدافع هاون .. وأحد عشر مدفع رشاش .. والحراسات ..
أم صالح : اللجنة الإدارية وزعت الحراسات على كل أبناء القرية .. وطلبت منهم الحصول على السلاح ولو ببيع الأثاث والملابس .. ( تصلح الطعام )
الزايط : وإنّا لنرجو لغارة الليلة أن تأت أكلها ..
العوض : إن شاء الله ..
أم صالح : يقولون إن القطار يحمل أسلحة وعتاداً وفيراً..
العوض : وعلى متنه مجموعة من الجنود الإسرائيليين .
راجح : وما هي أخبار محمد حسن أبو أحمد ..؟
العوض : لقد اتفق مع سائق القطار على الزمان والمكان والإشارة ..
محمود : حسناً .. ومن يتوكل على الله فهو حسبه
راجح : وما هي أخبار تبادل الأسرى ؟
العوض : لا أعرف ..
راجح : كان المفروض أن يتم تبادل الأسرى أمس ..
العوض : لا أعرف شيئاً .. ربما لأنني لم أمر بطريقي على دار المختار عبد القادر أبو زليخا ..
الزايط : نرجـو أن تجـري الريـاح بما تشتهي السفن (تنطفئ الإضاءة)
المنظر السابع
(دائرة ضوء .. مضيف المختار ..المختار .. محمد أبو.. سعيد العثمان .
أبو سبلة : والله يا مختار .. إن المهندس اليهودي (إتكس ) الذي أسرناه .. لا يساوي عندي قرشاً واحداً ..
المختار : هذا عندك(يضحك) ولكنه الآن يساوي الكثير لقد استطعنا أن نبادل به اثنا عشر أسيراً من أهل القرية
سعيد : ولكنهم ثلاثة عشر أسيراً ..
المختار : كنا نظن ذلك .. ولكن اتضح أخيراً إن عيسى الشيخ علي لم يكن معهم .. فقد استشهد على أرض قرية طنطورة ..
أبو سبلة : أن لعبة تبادل الأسرى أصبحت تستهويني ..
سعيد : لقد رفعت معنويات أهل القرية بشكل غريب ..
المختار : هذا صحيح .. ولكني لست راضياً على إصابتكم لزوجة المهندس اليهودي .. خصوصاًً أنها قد قالت لكم مراراً ( من شان حاج أمين )
سعيد : والله يا مختار لم يقصد أحد إيذاءها .. وما كنا نفكر حتى مجرد التفكير بذلك .. كانت رصاصة طائشة من بندقية أحمد قاسم أبو القاسم هي التي أصابت يدها .. ودون تعمد يا مختار وحقك .. فأنت تعرف شهامة أحمد قاسم
أبو سبلة : نعم يا مختار .. فقد أخذها بنفسه إلى قرية إجزم مع بعض الشباب .. وقاموا بإسعافها هناك .. واعادوها إلى أهلها ..
سعيد : وقد سمعنا رسالتها التي بعثت بها من خلال الإذاعة لتشكر اهل قرية عين غزال وإجزم على إنقاذها ..
المختار : كل هذا أعرفه .. ولكني أردت أن أذكركم بوصايا نبيكم ..
أبو سبلة : إنهم لا يحترمون نساءنا ..
المختار : إنهم ليسوا قدوة لنا يا ولدي .. فتوراتهم تأمرهم بقتل النساء والأطفال وحتى البهائم .. ولكن القرآن يأمرنا بالخلق العظيم وحفظ الذمم .. وعموماً نحمد الله على عودة أسرانا.. ( تنطفئ الإضاءة )
المنظر الثامن
(دائرة ضوء ، المغارة ، محمود القاسم ، علي الصفدي ، محمد راجح ، العبد الزايط، ام صالح ، العبد العوض..)
أم صالح : ( تعد الطعام ) سيمر القطار بعد ساعتين .. أتموا عشاءكم وتوكلوا ..
الجميع : توكلنا على الله..
راجح : محمود القاسم وعلي الصفدي ..
الإثنان : نعم ..
راجح : أنتما ستقومان بالرمي على القطار من أمامه .. وتعطون الإشارة لسائقه كي يتوقف .. وعندما يتوقف .. سيقوم العبد الزايط والعبد العوض بالقفز إلى عربة الذخيرة ..
الصفدي : وسعيد عثمان ومحمد أبو سبلة ..؟
راجح : سيكونان معي لتغطية اقتحامكما للقطار ..
أم صالح : ( تضحك ) لا تنسوا حصة جبعْ وأجزمْ من الغنيمة ..
الزايط : أنني أتفاءل كثيراً بضحكتك يا أم صالح ..
أم صالح : توكل على الله .. وتفاءل بما أعده للصابرين ..
الزايط : ونعم بالله ..
أم صالح : عين غزال وجبع وإجزم .. الحمامة البيضاء .. إنها تنتظركم ..
محمود : لو وفقني الله ..فسأجعل من الحمامة البيضاء مستودعاً للسلاح والذخيرة .
أم صالح : ومن يتوكل على الله فهو حسبه ..
محمود : بالمناسبة يا أم صالح .. أين ولدك صالح .. إنه مختفٍ هذه الأيام .
أم صالح : إنه مشغول هذه الأيام مع صديقه قاسم علي السعيد.. مشغوليته غامضة فهما يدخلان ويخرجان بصمت دون ان ينبسا ببنت شفة ..
الجميع : ( يلتفون حولها ) أقلقتنا ياحاجة ..
أم صالح : إنني قلقة مثلكم ..
العوض : صالح هذا يحب العمل بصمت .. لايحب أن يلفت إليه الانتباه
الزايط : وهل سألته عما ينوي ..؟
أم صالح : كثيراً ..
العوض : وهل صرح لك بشيء ..؟
أم صالح : أبداً .. إنه يكتفي بالقول .. لا تقلقي يا أمي ..
محمود : وقاسم علي السعيد ..؟
أم صالح : مثل صاحبه .. لا يصرح بشيء .. ( تقدم لهم العشاء ) ولكني فهمت أنهم سيحملون معهم شيئاً الى حيفا ..
الجميع : متى ..؟
أم صالح : غداً .. ( تضع الطعام وتنصرف ) آه .. تذكرت .. لقد سمعت صالح يقول لقاسم .. لا تقلق على المقابض.. نستطيع صناعتها هنا ..
راجح : ( يلتفت لأم صالح ) قلت إنه همس له بأنه سيصنع المقابض هنا ..
أم صالح : نعم ..
راجح : لقد فعلها صالح ابن الشيخ علي إذاً .. كنت أعرف إنه سيفعلها ..
الزايط : ماذا فعل..؟
راجح : (يبتسم) لا تقلقوا .. اجلسوا للعشاء .. سأخبركم .. (يجلسون للعشاء)
العوض : نعم جلسنا .. قل يا رجل .. تحدث .. لقد أقلقتنا..
راجح : عندما خرج عبد الحفيظ جدعان بحثاً عن سلاح .. همس لي صالح بأنه غير متفائل..
أم صالح : وإذاً ..
راجح : لقد لمح لي بأنه سيقوم بمحاولة لصنع البنادق .. وأتذكر أنه ذكر أمامي اسم قاسم علي السعيد وشيئاً عن ماكنة الخراطة في حيفا
الصفدي : صنع السلاح .. فكرة رائعة ..
أم صالح : أنا لأعرف ولدي صالح .. إنه عنيد .. إذا أراد أن يفعل شيئا .. فعله ..
الصفدي : فلندع له بالتوفيق .. ولاتنسيه يا أم صالح بدعائك.. فدعاء الوالدة مستجاب في ولدها (ترفع أم صالح يدها للدعاء وتتحدث بصوت منخفض ثم ترسل يدها )
راجح : قولوا بسم الله .. مدوا أيديكم للنعمة .. فالقطار على وشك المرور بين ( صرفند ) و( عتليت ).. (تنطفئ الإضاءة )
المنظر التاسع
(دائرة ضوء ، الجد والحفيد)
الجد : عن مجرد مرور القطار بين صرفند وعتليت يعني أنه عرضة للخطر ..
الحفيد : تعني التسليب..؟
الجد : بل التهذيب .. فالموتور يبحث عن واتره .. والمأخوذ غصباً بالقوة .. لا يسترجع إلا بالقوة..كان شباب قريتنا .. جل كل شباب فلسطين، يمتطون صهوة الليل ليغيروا هنا وهناك .. علهم يستعيدوا بعض ما سلبه اليهود منهم .. رمي الحجارة مسألة قديمة ، وليست وليدة العام أو العام الأول .. كما هنا الآن كانت هناك من قبل ..
الحفيد : اللجنة الإدارية شددت على التسلح ..؟
الجد : هذا صحيح ..
الحفيد : وكنتم تشترون السلاح ..
الجد : ليس بالضبط لأننا لم نكن نملك مالاً للشراء ، وحتى لو كان عندنا المال فمن يبيعنا سلاحاً ؟
الحفيد : ولكني سمعت إن سليمان يوسف الصعبي وحده كان قد اشترى للقرية عشرين بندقية من سوريا وأحضروها عن طريق البحر .
الجد : نعم .. وصالح الشيخ علي وقاسم علي السعيد كانا يصنعان السلاح ..
الحفيد : والقوات العراقية اعطتكم جهاز لاسلكي ..
الجد : وثلاث صفقات مجانية من السلاح ..
الحفيد : فإذاً كانت لديكم القدرة على القتال والسلاح كان موجوداً
الجد : ولكن ميزان القوى مائل .. كفتهم راجحة .. عصابات الهاغانا وحدها كان تعداد أفرادها سبعون ألف فرد مجهزون بأحدث الأسلحة والمدافع والقناصين والآليات .. وعشرين طائرة أوستر مقاتلة .. فضلاً عن العصابات الأخرى .. ( يصمت ) أربعمائة بندقية وثلاث مدافع هاون .. وأحد عشر مدفع رشاش .. كيف يمكنها الصمود أمام ترسانة من أسلحة تتدفق دون توقف عن طريق البر والبحر والجو أيضاً
الحفيد : السلاح يحمل صفة حامله ..
الجد : بل السلاح يضيف صفات لحامله .. وسلاحنا لم يكن وقتها سوى قشة في زوبعة .. أين ميزان القوى يا ترى ..؟ ولكننا رغم ذلك صمدنا ..
الحفيد : (يقاطعه ) نعم يا جدي.. أثلج صدري وقل لي إنكم صمدتم .
الجد : إي والله صمود الأطواد .. كان كل منا يلوح للشهادة بين الموضع ..
الحفيد : واخترتم الشهادة ..؟
الجد : لم يكن بمقدورنا النصر ، على الأقل في وقتها ..
الحفيد : واختار اليهود النصر ..
الجد : بل صنع لهم .. ولكنه نصر موهوم . وحتى النصر بمعانيه الكثيرة يمكن أن يضيع .. أما الشهادة فهي الألق الأبدي .. والنصر السرمدي .. وهذا ماعرفه الإمام الحسين من قبل وسعى إليه .
الحفيد : صدقت يا جد ..
الجد : شراء الأرض .. قتل الأبرياء .. مخادعة البسطاء إنشاء العصابات .. حمى التسلح .. الكذب .. المحابات مع الباطل .. كلها لا تصنع إلا نصراً مؤقتاً موهوماً .. وما فعلوه .. لم يكن سوى الخطوات الأولى لرحلة الألف ميل ..
الحفيد : وبدأت حكاية الليل
الجد : كانت بدايتها هناك .ز في زمن موغلٍ في القدم ..
الحفيد : بدأت على نهر الخابور .. ومرت ببابل .. وثبتت مسامير الصلبان .. عزرا بدأها بأكذوبة النبوءات .. واكتملت التوراة .. كتبها بعقلية الرازح تحت نير السبي وبنفسية المنكسر الذي تتملكه عقـدة الاضطهاد..
الجد : وحملها العائدون من السبي إلى أقصى بقاع الأرض..
الحفيد : بنبوءاتهم .. ألواح مصنوعة من الطين الملاط بماء الحقد وشوائب الكراهية ..
الجد : أودعوها مخيلة الأطفال .. وبنوا لهم وطناً مزعوماً
الحفيد : واستمر حلمهم .. حتى وضعت الحروب الصليبية أوزارها ..
الجد : ووقت الشيطان لهم قنبلة .. أسماها ( هيرتزل )..
الحفيد : توقيت صائب .. وقنبلة فعالة .. لم تبالي عندما انفجرت أي فضيلة اعتقلت وأي جنين مسخ متوحش ستتمخض عنه .. وأي قرى آمنة ستصحو مفزعة على عصف القنابل ..
الجد : الحمد لله .. أشعر أن ذاكرتك بدأت تستعيد عافيتها .. وبدأت مخيلتك تنشط .. الآن يمكنك رسم صورة للانفجار .. (تنطفئ الإضاءة)
المنظر العاشر
(دائرة ضوء ، على مشارف القرية ، المختار، أم صالح ، سعيد العثمان .. علي الصفدي .. صالح الشيخ علي ..محمد راجح ..)
المختار : الطيرة .. ويافا . . القدس ؟
صالح : نعم يا مختار .. خمسة وثلاثون قتيلاً فلسطينياً..
راجح : وألف وخمسمائة معتقل أخذوهم أسرى للنقب ..
المختار : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .. والجيوش العربية ؟
صالح : لم يبق غيرنا في الساحة ..
راجح : القوات العربية استطاعت تحرير الكثير من الأراضي ولكن التقدم انتهى بسبب توقيع الهدنة ..
المختار : لعبة أخرى بثيابٍ جديدة .. خطوة أخرى لضياع فلسطين
راجح : المشادة الكلامية التي حدثت بين قائد القوات العراقية ( اللواء غازي الداغستاني ) و( الكونت برنادوت ) كشفت كل شيء
الصفدي : كيف..؟
راجح : لقد طلب مني اللواء الداغستاني أن أحضر لقاؤه مع الكونت برنادوت .. وعندما حضر برنادوت وعرف إننا من أهالي عين غزال اخذ يصفنا بالتمرد والعصيان ، اللواء غازي هدده بأنه مضطراً لخـرق الهـدنة إذا تعرض اليهود لقرانا..
الصفدي : رائع جداً .. موقف يدعو للتفاؤل ..
راجح : أبداً .. بل يدعو للقلق ..
المختار : كيف ..؟
راجح : لقد توعد الكونت برنادوت بضرب جميع العواصم العربية بالطائرات .. إذا تحركت القوات العراقية لضرب اليهود ..
سعيد : وماذا سنصنع إزاء هذا الموت المحدق بنا من جميع الاتجاهات ..؟
راجح : لقد قال لي اللواء الداغستاني بالحرف الواحد .. استخدموا عقولكم .. فليس هناك ما نستطيع فعله لكم غير تزويدكم بالسلاح ..
المختار : فإذا سنستخدم عقولنا
الصفدي : سنقاتل ..
صالح : رجل لألف ..؟
أم صالح : بل رجل بألف .. فكل رجلٍ منكم بألفٍ من اليهود.. قاتلوا .. ليس لديكم خيار آخر .. أبناؤكم سيتحدثون عنكم والتاريخ سيقول كلمته ..
المختار : عين غزال .. يا جنح الحمامة المهدد بالانكسار .. جبع أيها الجناح الآخر الواقف على شفير الموت.. إجزم .. يا جسد الحمامة البيضاء .. أيها الجسد المثقل بالجراح .. سنقاتل .. بكل ما لدينا من أمل سنقاتل
أم صالح : الرجال أنتم .. ليس أمامكم سوى القتال .. وما علينا سوى الزغاريد (تلتفت الى صالح) ولدي صالح..
صالح : نعم يا أمي ..
أم صالح : أقسمت عليك بتراب أبيك الشيخ علي .. لا تخزني.. إن رحمي سيلعن الساعة التي حملك بها إن أنت جبنت أو هربت ..
صالح : ماذا تقولين يا حاجة ..؟ هل هذا عهدك بيّ وبشباب القرية ؟
أم صالح : قاتلوا يا أبناء عين غزال … الذي يتعب منكم فليس منا .. وعندما تدور النساء عليكم بأقراص الخبز فلن ينال النائم منكم في موضعه حصته من الرغيف … من ينام لا يستحق أكل خبز نساءنا .. يأت ويخبز مع النساء خير له ..
سعيد : تفاءلي خيراً يا أم صالح .. فنحن كما عهدتنا .. والله لن نألوا جهداً في قتال هذه العصابة ..
الصفدي : أخبري النساء في القرية إننا هنا … على مشارف القرية .. نمد أنظارنا نحو الأفق .. ذئاب العيون .. أسود الزئير .. فهود الوثبة ..
راجح : ليذهب الأطفال إلى مدارسهم مع انبلاج ضياء الصباح .. وليدور أطفال الكشافة بملابسهم الجميلة بين الحقول ..
المختار : سنقاتل .. الذاهب منا شهيد .. والباقون سيدقون وتدا في الأرض ..
الصفدي : قولي لأمهاتنا .. لن تزحزحنا الرياح …
يعيد : إنهم هناك .. ونحن هنا .. سنبقى هنا .. نلعلع كما بنادقنا .. ولو جاءوا .. فالموضع هو الفيصل
المختار : شددوا حراساتكم على القرية (تنطفئ الإضاءة)
المنظر الحادي عشر
(دائرة ضوء .. الجهة اليمنى من المسرح.. الجد .. والحفيد)
الحفيد : من المغيب حتى منتصف الليل ..
الجد : ومن منتصف الليل ..
الحفيد : حتى طلوع الشمس
الجد : السبابات تعتنق الزناد .. والبنادق تهش بفوهاتها لتلتهم الذئاب .. لم يبق رجل في القرية لم يبنِ له موضعاً للقتال .. الحراسات بحجم التوجس … وحتى الأطفال .. بدؤوا يدورون ليلعبوا (الغمّيضة) بين المواضع .. يستترون في الخنادق .. لقد استهوتهم فكرة التوغل داخل الأرض .
الحفيد : أين كان أبي وقتها ..؟
الجد : هناك .. معي ..
الحفيد : حدثني عنه يا جدي ..
الجد : (يمد بصره إلى الأفق) ذاك هو .. إنني أراه يركض من بعيد .. كأنه كومة صغيرة من الأحراش يُدحرجها الهواء فوق وجه المروج الخضراء .. كانت الأيام تمر مسرعة حتى إنني لم أنتبه إليه وهو يدخل عامه الخامس .. كان مولعاً بالفراشات .. لا أعرف من أين جاءه هذا الولع بها (يطرق قليلاً) كان يمسك بالفراشة … ثم يطلقها .. ثم يمسك بها ثانية بعد مطاردة طويلة .. يتعب هو .. وتتعب هي .. فيقبّلها ويطلقها باتجاه الريح .. يلوّح لها بيده .. أضنه كان يودعها .. ثم يستلق فوق الحشائش الخضراء .. يراقب الشمس كان يودعها … ثم يستلق فوق الحشائش الخضراء .. يراقب الشمس حتى تؤذن بالمغيب .. كم مرة وجدته مستلق على ظهره .. يضع يديه تحت رأسه .. مغمضاً عينيه.. ينعم بغفوة هادئة ..
الحفيد : هل كنت تحبه يا جدي ..؟
الجد : (يلتفت إليه .. يبتسم .. يهز رأسه) كان معي في الشتات .. لم يشأ الزواج إلا في الثلاثين … سنين طويلة وهو مكتئب .. منطوٍ على نفسه .. لم يستطع إكمال دراسته ..
الحفيد : وجئت أنا …
الجد : بعد أربع سنين من الزواج ..
الحفيد : وبعد أن صار عمره سنتين ..
الجد : رجع أبوك إلى هناك .. واستشهد هناك .. ودفن على نفس التلة الخضراء التي كان يلعب فوقها مع الفراشات .. بعضهم أخبرني .. أن الفراشات ما زالت تحط على قبره في أول ساعة من ساعات الصباح وعندما يصبح قبره ملوناً بأجنحتها .. كان الكثير منها يدور ويحوم حول القبر برفيف مرتبك… البعض يسمونه الآن تل الفراشات ..
الحفيد : تحوم حوله الفراشات ..قبر أبي ..جسد اشعر إنني قطعة منه..مازلت اشتاق إليه.. لو أن ألف وجه من وجوه أهل الأرض ابتسمت لي.. لما أشبعت رغبتي في رؤيته ولو لمرة واحدة وهو يبتسم لي
الجد : كانت ابتسامته جميلة.. رغم انه كان نادرا ما يبتسم
الحفيد : كيف رحل الى هناك ؟
الجد : صلاة الفجر أومأت لي أنه ينوي الرحيل.. كان لابد له أن يعود الى هناك
الحفيد : وجدتي..؟
الجد : لم تكن قد استيقظت للصلاة بعد.. ولم أشأ إيقاظها.. كنت أريد له أن يعود الى عين غزال.. الغربة حاصرته.. والشوق أذاب جسده
الحفيد : وودعته.. ؟
الجد : أبدا.. فقد كنت أصلي.. كنت مُيَمِّما وجهي قِبَلَ وجه الله الكريم.. كان أبوك خلفي ولكني كنت أراه بعين بصيرتي.. رأيته يحمل حقيبته.. ثم يقترب مني .. لا أعرف لماذا أحسست لحظتها بالدفء.. كنت محتاجا لهذه الارتعاشة الرقيقة..ولكنه لم يطل الوداع.. اقترب مني..همس في أذني بصوت مرتجف : احتاج دعاءك يا أبي.. ثم قبل رأسي وكتفي.. وانصرف ( تسيل دموعه فيكفكفها بيده ) كان صرير الباب آخر ذكرياتي معه
الحفيد : وبعدها يا جدي.. ماذا فعلت ؟
الجد : ارتعشت أعضائي كما قلت لك .. وأحسست أن أنفاسي محبوسة في صدري.. بذلت جهدا كبيرا لأخرج هذا الهواء المحترق في صدري.. زفرت زفرة طويلة كادت أن تخرج روحي معها..
الحفيد : وكيف استقبلتم خبر استشهاده ؟
الجد : قطعة قماش سوداء جعلناها إطارا لصورته.. وشكرناها لأنها شغلت حيزا جديدا على الجدار المعفر بالصور المؤطرة بالسواد.. شبعنا موتا.. ما عادت عيوننا تعرف أو تألف البكاء
الحفيد : وأمي ..؟ وجدتي..؟
الجد : الصراخ والبكاء والأنين ملاعب نساءنا وتساليهن
الحفيد : (يطرق قليلاً) وهل قبر والدي مازال هناك ؟
الجد : مازال هناك
الحفيد : والفراشات ؟
الجد : الفراشات لقاح الربيع.. هل مازال الربيع يمر على مروج قريتنا ؟ لست ادري ( تنطفئ الإضاءة )
المنظر الثاني عشر
(دائرة الضوء .. على حدود القرية .. علي الصفدي .. محمد أبو سبلة .. العبد الزايط .. )
أبو سبلة : كانت ليلة طويلة .. وقى الله شرها ..
الصفدي : ولكنها أخذت منا مأخذاً .. وأثارت الرعب في القلوب ..
الزايط : جراد .. جاءوا كالجراد ..
الصفدي : عصابة الهاغاناه أخطر العصابات اليهودية ..
الزايط : بل أقذرها .. وقذارتها آتية من زعيمها ..
أبو سبلة : مناحيم بيغن .. لعن الله مناحيم .. ولعن الله بيغن والرحم الذيً حمله ..هذا المجرم الذي سيقف مجرموا التاريخ أمامه مطأطئي الرؤوس ..
الزايط : لقد باغتونا في منتصف الليل ..
أبو سبلة : أفزعوا الناس .. أحرقوا البيوت .. كان هجوماً خاطفاً ..
الصفدي : هذه العصابات تمارس ستراتيجية الهجوم والهروب.. وغايتها زعزعة الأمن وإجبار الناس على الرحيل ..
المختار : ( يدخل لدائرة الضوء ) السلام عليكم ..
الصفدي : ( يركض للمختار ويقبل يده ) سدد الله خطاك يا مختار .. والله لولا أنك أبليت بلاءً حسناً واستنقذت ببندقيتك الأسرى الذين احتجزتهم عصابة الهاغاناه على سطح المدرسة .. لرأينا مجزرة أكبر من مجزرة دير ياسين ..
المختار : الحمد لله على توفيقه ( يلتفت ) أين بقية الشباب ..؟
أبو سبلة : بعضهم ذهب مع قائد المنطقة الغربية عبد الله أبو محمود .. فقد اقترح زراعة الألغام من جهة حيفا ومن جهة يافا ..
المختار : هذا أمر ضروري جداً .. خصوصاً بعد أن سقطت قرية الطنطورة وقرية كفر لام ..لقد أصبحنا مكشوفين تماماً لأي هجوم ..
الصفدي : وقسم منهم ذهبوا لنصرة أهلهم في جبع ..
المختار : ( ينظر جهة اليمين ) جبع .. أعانك الله .. أي محنة تعيشين هذه اللحظات ..؟ ( يصمت قليلاً ) هل أحكمتم مواضعكم جيداً ..؟
أبو سبلة : قر عيناً يا مختار ..
المختار : ووزعتم السلاح ..؟
أبو سبلة : كل السلاح ..
الزايط : الكفة لصالحهم يا مختار ..؟
أم صالح : ( تدخل هي وصالح ومحمد راجح الجدعان وسعيد عثمان ) الكفة لصالح الحق يا ولدي ..
الجميع : أهلا أم صالح .. أهلاً بالشباب ..
أم صالح : أمحتاج أنت كي أذكرك بكتاب الله ..؟
الزايط : كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله .. صدق الله العظيم
المختار : بورك فيك يا ولدي .. بورك بكم جميعاً ..
أم صالح : النساء أوقدن التنانير .. والخبز تنضد في السلال.. والعذارى يغنين لكم .. وعدوكم يتربص بكم الدوائر .. ويتوكف بكم الأخبار ..
صالح : الصهاينة يتجمعون ..
راجح : إنهم كالجراد المنتشر ..
سعيد : وخنادقكم نار حامية ..
المختار : يا سعيد عثمان .. اذهب وتأكد أن الشباب يقظون.. قل لهم ليأخذوا حذرهم .. لا نعرف في أية ساعة سيباغتنا العدو ..
سعيد : أمرك يا حاج .. ( يخرج )
الصفدي : هذا الدخان الأبيض المنبعث من جبع .. يقلقني ..
المختار : أخشى أن يكون هذا الدخان عموداً تتسلقه أرواح أهلنا إلى العلياء اذهبوا إلى مواقعكم .. وفقكم الله.. وأنت يا أم صالح انتظري معي ..
الجميع : ( يخرج الجميع ) نعم يا مختار .. ( تبقى أم صالح مع المختار )
المختار : لقد سمعت بما جرى لأهلنا في الطنطورة وكفر لام
أم صالح : نعم..
المختار : يا أم صالح لا نريد إعادة نفس المأساة ..
أم صالح : ماذا تقصد ..؟
المختار : أقترح أن تخرج النساء والأطفال من القرية .. ويبقى المقاتلون ..
أم صالح : وهذا ما حصل يا مختار .. فقد أخرج بعض المقاتلون عوائلهم وأرسلوهم إلى قرية اجزم .. وبقوا هم هنا للدفاع عن القرية ..
المختار : والآخرون ..؟
أم صالح : الآخرون .. وهم الأكثرية آلو أن يبقوا في القرية هم وعوائلهم .
المختار : ولكن بقاء النساء والأطفال في القرية قد يربك المقاتلين .
أم صالح : هذه رغبتهم ..
المختار : حسبي الله ونعم الوكيل .. ( ينطفئ الضوء )
المنظر الثالث عشر
(دائرة ضوء .. الجد والحفيد )
الجد : كان هلال الليلة الأولى من شهر رمضان يبدو أكثر وضوحاً هذا العام .. عام النكبة ..وبعده عام الهجرة .. وبعده عام الغربة .. ولا أعرف تسمية لبقية الأعوام ..
الحفيد : كلها أعوام غربة ..
الجد : صدقت يا ولدي .. إنه الامتحان الأقوى .. الاختيار الصعب بين النوم تحت سرفة دبابة .. أو النوم تحت طائلة الغربة .. القرى تساقطت .. والدبابات هشمت أشجار الزيتون .. والتهمت سرفاتها سنابل القمح الحزينة .. أطفال بأشلاء موزعة .. ونساء يدرن بين البيوت هلعاً .. بحثاً عن خلاص ..
الحفيد : وجناح الحمامة البيضاء ..؟
الجد : عين غزال ( يطرق قليلاً ) كانت تتنفس الدخان والخوف تحت ظلمة الليل المفعمة بالتوجس .. كان الليل طويلاً .. ولكن خيطاً أبيضاً من الفجر تبين للعيون كأنه ذَنَب السرحان ..عندها عيل صبر الانتظار .. فأزفت الآزفة . ( تنطفئ الإضاءة )
المنظر الرابع عشر
(دائرة ضوء .. المختار يقف وحده حاملاً سلاحه وخلفه أم صالح تجلس القرفصاء .. صوت قصف مدافع وانفجارات ..
المختار : (ينادي بصوتٍ عالٍ) قاتلوهم .. يعذبهم الله بأيديكم .. إن قريتكم الليلة تنظر إليكم رافعة يديها للسماء .. تعو الله أن لا ترى منكم اليوم ولدا عاقاً .. لا تطرفن عيونكم .. إنهم يهاجمونكم بقلوب خاوية .. أنتم أقرب إلى الله منهم .. قلوبهم ملأى بالخوف .. وقلوبكم ملأى بالإيمان ..
صوت : ذخيرتنا على وشك النفاد ..
المختار : ولكن بقية الله خير مما يجمعون .. نعم السلاح التقوى .. أكرم بالإيمان عتاداً .. إنهم يخشوكم كما تخشوهم .. بل هم أشد منكم خشية .. لتكن خشيتكم لله أكبر .. اقتصدوا بالعتاد .. لا تذهبن لكم رصاصة سدى ..
صوت : الطائرات تقصف القرية .. إنهم يهاجموننا من فوق
المختار : الله أعلى من كل فوق .. أوفوا ذممكم.. قابلوا وجه ربكم وأنتم مضمخون بدم الشهادة .. فلسطين تستحق الدماء .. لا تدعوا الزيتون يفر خائفاً .. إنه وديعة الله عندكم ..
صوت : لقد سقطت مئذنة المسجد..
المختار : مئذنة المسجد ..؟ أنها القيامة بلا ريب .. لا .. لن تنطفئ جذوة هذا الدين .. انظروا إلى السماء .. إنه الفجر الصادق .. هذا موعد الصلاة ( يؤذن ) الله أكبر .. أشهد أن لا إله إلا الله ( صوت أذان من بعيد ) لا إله إلا الله .. أنصتوا جيداً هذا أذان الملائكة .. إنهم معكم .. حي على الجهاد .. حي على خير العمل ..
صوت : الأطفال يهربون إلى العراء .. والنساء والشيوخ أرهقهم العصف والمدافع .. المساكن تهوي على أهلها ..
المختار : اثبتوا في أماكنكم ،اصبروا وصابروا ورابطوا .. لا ترعبنكم طائراتهم ، ولا يفزعنكم عصف المدافع
صوت : الرجال ينسحبون .. لا مجال للثبات ..
المختار : لا تولوهم الأدبار .. هذا ما يريده الشيطان لكم..
أم صالح : ( تنهض من مكانها .. تقف إلى جانب المختار ، تنادي ) فلينسحب من يرد الانسحاب .. لا تهلكوا أنفسكم جميعاً .. انسحبوا .. اتخذوا من الليل حجاباً احملوا معكم متاعكم فالسفر بعيد،عجلوا،أنقذوا من تبقى من أهليكم ..
المختار : ومن أراد البقاء معنا فهي الشهادة .. كلاهما موت.. البقاء والرحيل ..
أم صالح : لا جناح على الراحلين ولا تثريب على المرابطين
المختار : سنشغل العدو عنكم .. سنمنحكم ستراً للرحيل ..
أم صالح : اركضوا بأنفسكم وأهليكم حتى تبلغوا جسد الحمامة البيضاء.. اذهبوا إلى إجزم .. تجمعوا عند أهلكم هناك ..
المختار : أسرعوا.. لا يدركنكم العدو .. قولوا لأحفادكم إننا بقينا هنا .. وشربنا الصاب لكي يكبر أطفالكم .. ارحلوا أنى شئتم .. ولكن لا تنسونا .. تذكروا أن عين غزال تنتظر عودتكم
أم صالح : والأغصان ستورق كل ربيع وتنتظر هجرة الطيور إليها من جديد . ( تنطفئ الإضاءة )
المنظر الخامس عشر
دائرة ضوء .. صوت ناي حزين .. الجد يمسك مسبحة .. والحفيد يجلس القرفصاء.. يضع رأسه بين ركبتيه ..
الجد : ثلاث ليالٍ سويا.. (يطرق) رحم الله المختار . ورحم الله أحمد حسن ابن الشيخ علي ..
الحفيد : (يرفع رأسه) بقي الاثنان وحدهما ؟
الجد : بقي الكثير معهما ..
الحفيد : وهل بقي منهم أحداً ؟
الجد : أبداً .. فعلى التلال التي ثبتوا عليها ، ما زالت شقائق النعمان تزهو كل عام .. هكذا أخبروني ..
الحفيد : ورحلت أنت مع الراحلين
الجد : قالوا لنا وهم يركبونا الشاحنات ، لن تستغرق رحلتكم سوى أيام .. ثم تعودون .. حتى أن بعضنا دفن ماله ومصوغاته تحت أشجار الزيتون والكروم .. كنا نظن إننا عائدون
الحفيد : وأبناء عمومتكم ..؟
الجد : لم يكونوا أبناء عمومتنا .. بل كانوا اخوتنا .. أخوة يوسف .. لم يحركوا ساكناً ..
الحفيد : وشعوبهم ..؟
الجد : مغلوبون على أمرهم .. مثلما هم الآن ..
الحفيد : وماذا بقي من عين غزال .. ؟
الجد : الأعشاش المبعثرة .. الذكريات المعفرة بسخام دخان القنابل .. الأوكار التي ما زالت تنتظر عودة الطيور ..
الحفيد : وشواهد القبور التي تخفي ألف حكاية بين سطورها ..
الجد : والمروج .. والفراشات .. ومواقد الحطب التي ينبعث منها أنين أمهاتنا وخالاتنا وعماتنا .. (يبكي) واستغاثة الأطفال التي ما زالت تطرق مسامعي كأنها الساعة (يمسح دموعه) بيوتنا هدمت .. وذكرياتنا تمزقت .. أخت في الغرب .. وعم في الشرق .. وأين خالةٍ .. لم أعد أتذكر منه غير الاسم .. ولم يبق غير أوكارنا التي حطّت عليها الغربان ..
الحفيد : كيف .. ؟ ..
الجد : أخوة يوسف .. قالوا للطيور تعالي .. فهاجرت .. وغادرت أوكارها تحت السياط .. ثم قالوا للغربان اذهبي.. أخوة يوسف أرسلوا الغربان المتناثرة لتحط على أوكارنا .. زعموا إنهم يطردون الغربان ..
الحفيد : ولكنهم طردوا الطيور …
الجد : نعـم كـان لأخوتنا شرف المشاركة فـي دفعنا للشتات..
الحفيد : لعبة قذرة .. بلباس عربي ..
الجد : نحن من دفع ثمنها .. (يطرق) كانت الشعوب العربية تتحرق لنصرتنا .. فدائيون .. متطوعون .. المقابر ما زالت تحتضن أجساداً لأخوة ذهبوا إلى هناك .. وقاتلوا واستشهدوا .. واحتضن كل منهم شجرة زيتون وبقي يرضع من زيتها المقدس إلى الآن ..
الحفيد : إذاً لم يبق شيء من عين غزال ..
الجد : الجرافات جعلت من القرية قاعاً صفصفاً بعد الشتات..
الحفيد : وقبر أبي ؟ .. والفراشات .. ؟
الجد : ما زالت ترفرف هناك .فالحجارة لا ترجم وجه الربيع..
الحفيد : كيف أتأكد إنها ما زالت ترفرف هناك ؟ ..
الجد : اذهب إلى هناك .. تأكد بنفسك .. لقد قلت لك قبلاً : إذا أردت معرفة الحقيقة فاذهب إليها ..
الحفيد : أشعر أن شيئاً مني مدفون هناك .. أبي يلوّح لي .. أريد للفراشات أن ترفرف على وجهي ..
الجد : إذاً كن قريباً منها .. (صوت أذان) إنها صلاة الفجر .. لا إله إلا الله (يفرش سجادته .. يتوجه للصلاة) الله أكبر ..
الحفيد : (يخرج من المسرح ، يعود حاملاً حقيبة .. يقترب من جده .. يهمس في أذن جده) أحتاج دعاءك يا جدي (يقبل رأس جده وكتفه ويخـرج .. أغنية " سنرجع يوماً إلى حينا " لفيروز )








